الشيخ محمد رشيد رضا
51
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كونهم لا يشقون لأولئك غبارا ؟ ألسنا الآن أحوج إلى الاصلاح منا إليه في تلك العصور التي اعترف هؤلاء الأئمة بأن الظلمات فيها غشيت النور ، حتى ضل بالاختلاف الجمهور ، ؟ بلى . وهو ما نعانى فيه ما نعانى وإلى اللّه ترجع الأمور . وقوله تعالى ( مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ يفيد أن الانسان لا يؤاخذ على ترك الحق أو اتباع الباطل إلا إذا بين له ذلك حتى يتبين أو صار بحيث تبين له لو نظر فيه ؛ والجهل ليس بعذر بعد البيان ، كما هو المقرر عند العقلاء والحكام في كل مكان قال تعالى في المتفرقين المختلفين بعد مجىء البينات ( وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) فهذا الوعيد يقابل الوعد الكويم في الآية التي قبل هذه الآية بقوله تعالى في الداعين إلى الخير الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فالفلاح في ذلك الوعد يشمل الفوز بخير الدنيا والآخرة . والعذاب في هذا الوعيد يشمل خسران الدنيا والآخرة . قال الأستاذ الامام ما معناه : أما عذاب الدنيا فهو أن المتفرقين المختلفين الذين اتبعوا أهواءهم ، وحكموا في دينهم آراءهم ، يكون بأسهم بينهم شديدا فيشقى بعضهم ببعض ثم يبتلون بالأمم الطامعة في الضعفاء فتذيقهم الخزي والنكال ، وتسلبهم عزة الاستقلال ، وأما عذاب الآخرة فقد بين اللّه في كتابه أشد من عذاب الدنيا وأبقى . وفي هذا المقام أورد الأستاذ الامام هذا السؤال : هل قام المسلمون بذلك الأمر « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ » وانتهوا عن هذا النهى « وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا » وجعل ذلك مجالا لتفكر طلاب العلم . وأما جوابه هو فكما نقلنا لك عن الامام الرازي وعن شيخه . والأمر ظاهر في نفسه وفي الوعد والوعيد المذكورين آنفا وإذا كان لا يزال في علماء الرسوم منا من يقول ويعتقد أن المسلمين في فلاح وفوز فقد علم سائر المسلمين من جميع الطبقات في أكثر البلاد أنهم قد فقدوا عزهم واستقلالهم وأنهم معذبون بما فقدوا وبما يتوقعون أن يفقدوا مما بقي لهم . وأن أذكياء شعوبهم يسأل بعضهم بعضا على بعد الدار وقربه عن طريق علاج الداء ، قبل الابداء ، والتماس الشفاء ، قبل الاشفاء ، والعلاج بين أيديهم فمتى يبصرون ، والطبيب يناديهم فأنى يسمعون ؟ عسى أن يكون ذلك قريبا ذلك العذاب العظيم يكون للمتفرقين المختلفين « يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ »